التزام الفلسفة في عيدها العالمي/ د زهير الخويلدي

" الحكيم ، من حيث هو حكيم ، لا يعرف الاضطراب إلى قلبه منفذا ، بل هو ، نظرا لما يتصف به، وفقا لضرورة أزلية محددة، من وعي بذاته وبالإله وبالأشياء، لا يكف عن الوجود أبدا وينعم بانبساط النفس الحقيقي"[1]1

يحتفل العالم بيوم الفلسفة وتنظم الندوات من قبل الهيئات ويستدعى المؤرخين والنقاد والكتاب والأساتذة والعارفين في هذا الشأن الفكري وتلقى المحاضرات ويدور النقاش بين الحاضرين وتثار الاشكاليات وتطرح القضايا ويشتد التنافس ويتصاعد الجدل وتكتب البيانات وترسل بعض النصوص الى الاعلام وتعرض بعض الحلقات الحوارية في بعض المرئيات بشكل مباشر ومتقطع أو بصورة مسجلة ومتأخرة.

بيد أن السلطة تفرض منطق الهيمنة على فضاء المعرفة وينسحب المنظرون من الساحة ويتركون المجال الى صناع القرار وخبراء التنظيم ويكتفي محبي الفلسفة بتدريسها في ساعات قليلة من برامج التعليم أمام جمهور قليل وتركن كتبها في بعض الزوايا من المكتبات العمومية ويرسل ببعض التأليفات إلى الأرشيف.

لقد وصفت القدرات الانضباطية التي تمتلكها المؤسسات الحكومية بأنها اختصاص صارم يضطلع بمهمة صناعة الأفراد الذين يحوزون على مهارات عالية في النشاط والإضافة ضمن سياق اجتماعي وتاريخي. بناء على ذلك ينعت الفرد بأنه اختراع تاريخي بواسطة التقنية السلطوية التي تسمي التعليم الانضباطي ويشير إلى هذه الهباءة التخييلية التي تحمل التمثلات الإيديولوجية للاجتماعية في مشاعرها وانتظاراتها.

إذا كانت السلطة في مجال ممارستها تعني مجموعة من العلاقات التي تتأثر بعوامل اجتماعية متعددة تسمح بممارستها انطلاقا من المؤسسات والأفراد من جهة معارفهم وأفعالهم وتؤثر في إنتاج الخطاب واستعماله فإن السياسة الحيوية هي الطريقة التي تحكم بها السلطة السياسية مجموع الأحياء وذلك بتدبير جملة من الحاجيات الأساسية مثل الصحة والتغذية والسكن والتعليم والشغل والنقل والترويح عن النفس.

إن الفلسفة عندما تلاقي العلوم الإنسانية والطبيعية وبالخصوص البيولوجيا وعلم الاقتصاد وعلم اللغة وعلم الآثار تتحول من فضاء نظري تأملي إلى فضاء التجريب والتطبيق والالتزام وتتدخل في الشأن العام وتلتصق بآلة الإعلام من حيث هي سلطة رابعة وفضاء حر لكي تتمكن من توكيد حضورها وإبلاغ فلسفتها والتعبير عن مشاكل الفئات المجتمعية بأريحية وتقدم إسهامات في تدبير السلم المدني في الدولة. 

يقوم الفيلسوف الملتزم بعدة لقاءات ويعقد جملة من الندوات يتدارس فيها الوضعيات المتفجرة ويطرح الأسئلة اللازمة لعصره وينخرط في جبهات الصراع من أجل العدل والحق ضد السلطة وكل أشكال الفساد ويستعمل كل أسلحته الوجودية وعدته المنهجية للرد على الآفات التي تظهر في مجالات التعليم والطب والسجن والقضاء وضمن دوائر العلوم الإنسانية وخاصة التاريخ ( الأرشيف، المتحف، الوثيقة، الآثار).

تمنح فلسفة الالتزام الكلمة إلى المضطهدين لكي يتمكنوا من الكلام عن أنفسهم دون رقابة وبلا قيود ولكي يتمكنوا من نحت سردية انعتاقهم من خوفهم وإجراء تجارب الحرية فوق الأرض بأقدام إراداتهم ووعيهم. 

كما تفكر في وضعية المثقفين والنقاد وعلاقتهم بالسلطة وتقوم بتنزيلهم في سياق معارض وتطلب منهم  المبدئية والنضالية والتضحية والإخلاص للقيم التقدمية والوفاء بالوعود الثورية والبقاء في حالة مقاومة.

يبدو أن الوقت لم يعد مناسبا من أجل مسايرة الحتمية التاريخية وانتظار تدخل مفارق لمسيرة الأحداث وإنما يجدر بالمرء أن يتحرك ضمن شبكة جماعية نحو الفعل قصد إحداث تغيير جذري انطلاقا من نسق المعارف المبتكرة من طرف الشريحة الصاعدة وبالعمل على تحطيم النظام السياسي والاقتصادي القديم.

فأين هي فلسفة الالتزام التي تأتي في الزمن الراهن من أجل الاحتفال بتحرير الانسان من الجهل والشقاء؟ كيف يمكن للفلسفة أن تكون أساسا إيتيقيا لسعادتنا الدائمة؟ ومتى يستعيد الفيلسوف حضوره الدائم في حياتنا اليومية وينجح في أن يعيش الكلي في انفتاحه على العالم ويؤدي وظيفته على النحو الأكمل؟

المصدر:

1-    باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب للنشر، صفاقس، تونس، طبعة أولى، دون تاريخ،ص 398.

[1]  باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب للنشر، صفاقس، تونس، طبعة أولى، دون تاريخ، ص398.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق