من قتل أحمد سوار المسعودي؟/ د. عدنان الظاهر

( قُتل الصديق العزيز أحمد سوار المسعودي في عام 1964 في برلين الغربية في حادث تصادم سيارته الشخصية الفولكس واكن مع شاحنة التقته من شارع فرعي  ).

حياة الراحل أحمد سوار المسعودي أشبه بالأسطورة فقد كانت قريبة من الأساطير التي نعرف.
كنا زملاء في متوسطة المسيّب للبنين في العام الدراسي 1950 ـ 1951 وكان يومها مدير المدرسة الفقيد الراحل الأستاذ حسن هادي الإنباري (*). كان مُحباً للأدب العربي خاصة الشعر منه وكان مُغرماً بشعر امرئ القيس ومحبّاً لهذا الشاعر حدَّ الهَوَس.
كما كان مغرماً بعالم الرياضة ولا سيّما رفع الأثقال. صحبني ذات يوم إلى بيتهم فتعرّفتُ على السيّدة والدته ورأيت بعض الأثقال المعروفة لممارسة الربع أو رفع الأثقال. كان محبوباً جداً من قبل الكثير من زملائنا في متوسطة المسيب للبنين أذكر منهم الزملاء حسن جواد الصيهود الذي غدا فيما بعد سكرتيراً لًلبروفسور محمد مهدي البصير الأستاذ في كلية التربية ( دار المعلمين العالية ) في خمسينيات القرن الماضي. ثم الأخ المربي كاظم حسن الجلاّد والصديق الزميل الدكتور طالب عبد الأمير الأنباري معاون عميد كلية الطب البيطري في جامعة بغداد أيام أنْ كان عميدها الأخ الحلاّوي الدكتور مُضر محمد علي الفلوجي في سبعينيات القرن الماضي. وآخرون كثيرون ما زلتُ أتذكرهم بالأسماء والشخوص والحضور في مقدمتهم الصديق النبيل الوفي الشجاع الفنان الأستاذ محمد حسين علوان والزميل مدحت محمد خضر وسعد عبد الجبّار علّوش وابن عمه السيد لؤي عبد المنعم علّوش. ومن المدرسين الأكارم أتذكر الأستاذ محمد حسين المراياتي الأديب الفقيه العالم باللغة العربية والشعر العربي الحديث.
أكملنا سنوات الدراسة المتوسطة فدخل الصديق الراحل دار المعلمين الإبتدائية في الأعظمية في بغداد كشأن الكثير من فقراء طلبة العراق يومذاك لكنه فُصل لأسباب سياسية أيام ما كان الأستاذ الحلاّوي ناجي عبد الصاحب مديراً لهذه الدار في العهد الملكي. عاد للدراسة في هذه الدار بعد تقديم البراءة من السياسة وأكمل دراسته بتفوق ثم تمَّ تعينه معلماً في مدرسة إبتدائية في منطقة الوزيرية من بغداد قريبة جداً من كلية دار المعلمين العالية في الوزيرية حيث كنتُ أواصل دراستي في هذه الدار في حقل الكيمياء. كنا قريبين من بعضنا إذاً لذا كنا نلتقي خلال معظم أيام الأسبوع أزوره في مدرسته ويزورني في نادي كلية دار المعلمين العالية كما كنا نلتقي في نهاية الأسبوع بشكل منتظم لنتناول طعام العشاء معاً في بعض مطاعم الباب الشرقي لا سيّما مطاعم شارع السعدون وشارع أبي نؤاس. كان الراحل يشرب البيرة فقط كأسين في كل لقاء مع العشاء بينما كنتً أتناول العرق العراقي ـ ربع عرق. كان الفقيد يمارس رياضة رفع الأثقال في بيتهم وفي نادٍ خاص يملكه السيد الربّاع سلمان مكّاوي عم الزميل طالب عبد الأمير مكّاوي. 
كان مثقّفاً متميّزاً محبّاً للأدب العربي وخاصة الشعر وكان مغرماً بأشعار امرئ القيس خاصة بل وكان يقدّس هذا الشاعر الجاهلي.
وقعت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وكنت وقتها في السنة الأخيرة من دراستي في دار المعلمين العالية فزادت وتائر لقاءاتنا وتكثّفت كأنَّ للثورة والتبدلات السياسية الجديدة تأثيراً ما لعب أدواراً شبه حاسمة في حياتينا ومستقبل علاقاتنا الشخصية. كما التحق بنا زميلٌ آخر من زملاء الدراسة في متوسطة المسيب للبنين هو الأخ مهدي دَخَلْ أو مهدي دخيل وهو كذلك من أهالي المسيب. كنا في هذه الفترة من العام الدراسي 1958 / 1959 نزور في أماسي عطل نهاية الأسبوع ( الخميس / الجمعة ) بعض النوادي المنتشرة في منطقة الوزيرية أو العيواضية مثل نادي البرق والبريد أو نادي المحامين نتناول العشاء معاً ونحتسي ما يحتسي الأصدقاء الندماء. وحين نكون في منطقة الباب الشرقي ما بين شارع السعدون وأبي نؤاس كان الفقيد يدلف إلى مكان لبيع الدجاج المشوي اسمه " علي شيش " ليتناول نصف دجاجة مشوية ثمنها نصف دينار من دنانير ذلك الوقت.
كنتُ أعرف أنه مُرشّح لبعثة دراسية إلى ألمانيا الدمقراطية لدراسة علم نفس الأطفال المتخلّفين والمعوّقين وبالفعل غادر العراق صيف عام 1959 لمواصلة دراسته العليا في مدينة برلين الشرقية. في هذا الوقت وقد أنهيت دراستي الجامعية تم تعييني مدرساً للكيمياء في ثانوية المسيب للبنين وكان مديرها الفقيد الراحل الأستاذ حسن هادي الإنباري مديرنا السابق في متوسطة المسيب أوائل خمسينيات القرن الماضي. سجلت مباشرتي في هذه المدرسة الثانوية وفي اليوم التالي سجلت الإنفكاك فلقد تمَّ اختياري مديراً لمتوسطة الكفل للبنين وكانت المتوسطة الأولى في تأريخ مدينة الكفل وكانت مختلطة بين الجنسين وفيها صفّان فقط صف لطلبة السنة الأولى وصف آخر لطلبة السنة الثانية وكان معي في التدريس الصديق المرحوم الأستاذ شوكت عبّاس فقط. أما ثالثنا فهو فرّاش المدرسة السيّد عبد زيد ( إبن السيّدة أمينة كما يسميه عارفوه في مدينة الكفل ).
شرعنا والمرحوم أحمد بتبادل الرسائل بانتظام هو يكتب لي من برلين الشرقية وأنا أكتب له من ناحية الكفل أو من مدينة الحلة حيث سَكَني وأهلي بجوار مدرسة الفرات الإبتدائية وكان مديرها المربي الفاضل الأستاذ محمود شُكر أبو خمرة على الشارع المنتهي إلى ضفة نهر الفرات قريباً من معمل الكوكا كولا. لم يفارق الأدب العربي وهو في بلد يتكلم اللغة الألمانية ويدرس فيه أحد فروع علم النفس فطلب مني ذات يوم أنْ أرسل له رباعيات الخيّام ففعلت ثم عاد وطلب ترجمة أخرى لهذه الرباعيات فقصدت بغداد وشارع المتنبي أسأل عنها حتى وجدتها وأرسلتها له فكان مسروراً بها. ما كان يبخل بتزويدي بالمعلومات الشيّقة عن نمط الحياة في برلين الشرقية وعن بعض تفصيلات دراسته والحياة الجامعية والإجتماعية هناك وهي أمور كانت تستهوينا نتنفس من خلالها عالماً آخرَ مُغايراً لما كنا فيه وما كنا نعاني من حرمانات شبابية وتعقيدات سياسية كانوا هم بعيدين عنها.
زار الفقيد أحمد في شهر تموز 1962 العراق وكنا نلتقي أكثر من مرة في الأسبوع وكنت حينذاك أتأهب لمغادرة العراق للدراسة في جامعة موسكو متمتعاً بإحدى زمالات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كانت إقامته في بيت صديق له من رباعي العراق المعروفين يومذاك هو السيد محمد الأسود. كان أحمد يتشوق كثيراً للكباب المشوي وما كنت أبخل به عليه وكانت لقاءات عزَّ نظيرها خاصة والظرف الذي كنا فيه ظرف استثنائي جداً جداً ... هو طالب بعثة زار العراق لفترة قصيرة وأنا أستعد لمغادرة العراق لستة أعوام فهل تُرى سنلتقي خارج الوطن متى وأين ؟ هل سنلتقي في برلين أو نلتقي في موسكو ؟
غادرت بغداد فجرَ السادس من شهر آب طائراً إلى العاصمة النمساوية فيينا لأقضي فيها قرابة ثلاثة أسابيع في طريقي إلى موسكو. كان أحمد أحد المودّعين في مطار بغداد جاء متأخراً قليلاً يحمل لي وردة حمراء على طريقة أهل الغرب. جددنا التأكيد على ضرورة أنْ يستمر تبادل الرسائل بيننا وأنْ نلتقي في مدينة ما.
إستأنفنا كتابة الرسائل أنا أكتب له من موسكو ويرد هو على رسائلي من برلين الشرقية حتى فاجأني ذات يوم أنه انتقل من برلين الشرقية إلى برلين الغربية لأنه كان عليه واجب مساعدة ذويه في العراق ومن برلين الغربية يستطيع ذلك فالمارك الألماني الغربي قابل للتحويل في البنوك والمصارف الخاصة خلاف المارك الشرقي. أذكر أني أرسلت له مع طالب عراقي كان يدرس في برلين صندوق شاي سيلاني ممتاز مع نسر منحوت في خشب خاص. إنقطعت فجأة رسائله لي في الفترة القصيرة المحصورة بين منتصف عام 1963 وأواسط العام 1964 ولم أعرف سبب ذاك الإنقطاع حتى زار موسكو طالب آخر سألته هل يعرف الصديق أحمد سوار المسعودي قال أجل، لكن أحمد قُتل في حادث سيارة. لم أصدق ما سمعتُ ! أمعقول أنْ يموت كلكامش المسعودي الزاخر بالحيوية والنشاطات الرياضية والإجتماعية المحب للحياة بشكل لا يُصدّق. أيموت هذا البطل المفتول العضل الذي ما كان يُطيق مفارقة الرياضة حتى أني سمعت وقتذاك أنه كان منتمياً لأحد النوادي الرياضية المختصة برفع الأثقال ورياضة الكمال الجسماني. أيموت أحمد وبهذا العمر وكان أهله في انتظار عودته للعراق ليقومَ بإسنادهم والصرف عليهم وكان العراق نفسه ينتظره لأنه كان يتخصص ولأول مرة في تأريخ العراق بموضوع نادر وجديد. أيموت شاب تتفجر في صدره وعروقه ينابيع الحياة وحرارة البراكين. في لقاءاتنا صيف عام 1962 في بغداد قال لي إنه يجرب أنْ يكونَ أباً وبالفعل، قال، صديقته الألمانية حامل منه ولكن بدون زواج. قُتل أحمد في حادث مشبوه أخشى أنْ يكون مدبّراً من قبل جهات يمكن التكهن بهوياتها ومقاصدها تتصيد الموهوبين والمتفوقين والمتميزين من الطلبة العرب. كانت ولم تزل خسارتي بأحمد كبيرة لا تعوضها الدنيا بأجمعها. راح أحمد رمز المسيب بشراً ونهراً وجسراً حيث غناه ناظم الغزالي [ على جسر المسيب سيّبوني ]. 
دارت الأيام وأكملتُ دراستي وأبحاثي في جامعة موسكو لأجد نفسي باحثاً علمياً في جامعة كالفورنيا في إرفاين. وحين قررت العودة للوطن أمضيت أسبوعاً كاملاً في برلين الغربية مع صديقٍ وفيٍّ مخلص. سألته أيعرف أحمد سوار وهل يعرف حادث وفاته ؟ أكّد أنه يعرفه حقَّ المعرفة وكان هو أحد الطلبة العراقيين الذين أشرفوا على تجهيز تابوته وإرساله بالطائرة لأهله في العراق. سألته أيعرف صديقته ( ربما تزوجها فيما بعد ) قال نعم. رجوته أنْ يأخذني إليها في برلين الشرقية لأتعرف عليها وعلى طفلته الوحيدة التي تركها يتيمةً. وبالفعل توجهنا بسيارة الصديق الفيات الإيطالية إلى قلب برلين الشرقية وأخذ الصديق طريقه الذي يعرف جيداً حيث شقة هذه السيدة أرملة المرحوم أحمد سوار المسعودي. للأسف ما كانت في الشقة فضاعت مني فُرصة من فُرص العمر التي يصعب تعويضها فيما لو كان التعويض ممكناً. ضاعت الفُرصة ولم أرَ هذه السيدة ولا ابنة الفقيد أحمد. أما زالتا على قيد الحياة وفي مدينة برلين الشرقية ؟ قد أسأل وأستفسر حين أكون في برلين الموحّدة اليوم والشرطة هنا خير مّنْ يسأل السائل خاصة إذا احتفظتا بلقب المسعودي والألقاب لا تضيع ولا يضيع أهلها حاملوها.

(*) الفقيد الأستاذ حسن هادي الإنباري /
كان أوائل خمسينيات القرن الماضي مُديراً لمتوسطة المسيب للبنين وكان في عين الوقت يمارس تدريس مادتي الفيزياء والرياضيات ( أو الهندسة ) لطلبة السنة الثالثة. كان أستاذاً متميّزاً بتدريس الفيزياء والرياضيات فضلاً عن كونه إداريّاً حازماً محبوباً من قبل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس. كان وطنياً معروفاً وكانت له صلات وثيقة مع بعض عناصر تنظيمات الضباط الأحرار قبل ثورة 14 تموز 1958. أتذكر جيداً كيف اقترح على أخي الأكبر ـ وكان أخي أحد عناصر ضباط الجيش الأحرار ـ أنْ يطلب مني ترك علاقتي مع أحد زملائي في الصف والمدرسة لأنه يتحدر من عائلة إقطاعية ولاؤها للإنكليز والعهد الملكي. إنتقل بعد ثورة تموز 1958 إلى بغداد وتم تعيينه مديراً لثانوية الكاظمية للبنين. إختفى أثره في إنقلاب الثامن من شباط 1963 ولم يعرف أحدٌ عنه أي شئ. المرجّح أنه شارك في إنتفاضة الكاظم ضد الإنقلاب وهناك قُتل ودُفن في مكان مجهول مع كثيرين. هل سأل أحدٌ من أهله عنه وعن مصيره وهل عرفوا شيئاً عن هذا المصير ؟ هل تتبعت أخباره الحركة النقابية الدمقراطية للمعلمين وكان أحد عناصرها في إنتخابات نقابة المعلمين محسوباً على القائمة التقدمية المسماة " القائمة المهنية المتحدة " التي كان يرأسها الأستاذ نجيب مُحيي الدين وكان الشهيد الدكتور صفاء جميل الحافظ من بين قادتها سوية مع الأستاذين عزيز الشيخ رجب والمرحوم صاحب حدّاد وآخرين.
لك الرحمة أستاذنا ومربينا الشريف النظيف والوطني الغيور المنحاز للفقراء وقضايا التحرر من الإستعمار البريطاني الشهيد حسن هادي الإنباري ابن المسيب وأحد رموزها الأكثر شهرةً. لك الرحمة والخلود أستاذ حسن هادي.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق