هاتِ اسـقِني يا قلـم/ يوسف ناصر

         اُكتبْ..! حين يكون قلمك في يدك غصنًا  من شجرة نار، يتساقط الجمر من فمه على الورق، ويُلقي الجذاذات مشتعلةً دائمـًا ولا تنطفئ.. ذلك كي يتحلـّق النـّاس حول موقدك في هذا العالم العاصف ، حيث جبال الثلوج وصفائح الجليد..!
         اُكتبْ حين يناديك القلم.. ولا تنادِ القلم حين تكتب.. فتكون كلماتك حصًى ورملاً..! لقد سمعتُ أولئك الـّذين قصدوا الطـّعام والشـّراب يقولون يومًا: عُدنا نتضوّر جوعـًا وعطشًا، لأنـّنا لم نجد هناك سوى الحصى والرّمل  في أكثر الكتب..!
         ُاكتبْ ..! حين تكون أوراقك قد تناثرت عليك من السّماء على هيئة حمامة، فتحملهنّ خبزًا زمن المجاعة للـّذين ما زالوا ينتظرون الزّاد، ولم يعرفوا طعم الخبز في هذا العالم..!
         اُكتبْ..! ولا تدَعْ قلمك يجري إلاّ وراءك ، ولا تـَسِرْ به يومًا إلاّ حيث الرّبيع يبعث إليك من أزاهيره الفـِيح شذًا وعبيرًا، كي يتشمّم النـّاس بين سطورك ذلك الحرف الأريج..!
         اُكتبْ..! حين تكون أنت نفسك قلمًا صاخبًا بين أصابع قلمك، وُيلقي  كوثره في كلّ ناحية على الضّفاف، فترتوي منك كلّ صحراء ماحلة من بني البشر، تراها تمشي وراءك على قدمين في الشـّوارع ..! تعدو وراءك وتناديك بإعلى صوتها: اِرْوِ ظمئي، وهاتِ اســقِني يا قلــم ..!  
         اُكتبْ.. ولا تكن ُدورِيّـًا ثرثارًا ..،لا يدَعْ  نافذة إلا ويقف عندها..! كن هزارًا من ذهب، يترنمّ على الغصون وقورًا، لا يصدح إلاّ بما يحفظ له قدْرَه وقيمةَ شدوه بين الأطيار..واعلمْ أنّ الدّنيا ملـّت كثرة الزّرازير في الأثير، وعافت أسراب الدّوريّ فوق النوافذ..!
         اُكتبْ..! بعد أن تنزل بقلمك إلى القوارير والآبار تحت صدرك.. ثمّ اسْقِه هناك من تلك الجِرار الدّفينة، إلى أن تعود به يحمل للنـّاس حروفـًا من نبيذ، وتعابير من ماس، وكلمات منقـّطة بالشـّهد.. أوَما علمتَ أنّ في العالم أقلامًا وُلدت ميْـتة في أيدي أصحابها، وقد أنتـَنـَتْ ، وأنّ في الزّكام عافية للسّائرين بين الرّمم ..؟
        اُكتبْ ساعة تكون كلماتك للنـّاس معطـّرة بالمحبّة والبسمة، ومضمّخة بالأمل والسّلام، فيملأ عبَقـُها الأثير، فتسرع وتخرج الصَرْع من هذا العالم الذي يُزبد، ويتلوّى وجعـًا، ويرميه الرّوح النـّجس في النـّار..! والويل في هذا العالم لمن يكتب بأفعى في يده، ويتنزّى السمّ منها لا التـّرياق ولا النـّفح الزّكـيّ..! إنّ قلمًا سامّـًا واحدًا يكفي أن يقتل أمّة بأسرها في هذا العالم..!
        اُكتبْ رياحًا عواصفَ تهبّ من قلمك، وتدفع بقرونها كلّ جدار يفصل بين الناس..!  وتطلق كلماتِك قنابلَ تهدم الأسوار بين أبناء البشر ..!
         اكتبْ بعد أن تجعل تعابيرك حريرًا مفوّفـًا يكسو النـّاس نشوة ومتعة، وحذارِ أن تحمل إليهم الشـّوك والغضا يومـًا..  كفى قلوب النـّاس شوكـًا، وعيونهم غضًا في دنيا الأسى الدّائم..!
          اُكتبْ صوتـًا هادرًا يركب صهوة الرّياح، ليصل عزاءً إلى المأسورين في السّجون، والمشرّدين في المخيّمات ، والسّاكنين في الزّنزانات، والمتروكين في العراء، والمطرودين الـّذين يحملون حريقـًا شبّ في صدورهم  منذ زمن بعيد ، ولمّا ينطفئ..!
          اُكتبْ..! حين تحمل من حروفك قلائد للأمّهات، وعقودًا  للأخوات، ولآلئ للفتيات ..لا تنسَ أنّ المرأة  ريحانة الدّنيا، وأقحوانتها الشذيّة ،وليس للعالم أن يتنشـّق الطـّيب إلا من أردانها، ودونها يستحيل ربيع الحياة خريفـًا يائسًا فوق التـّلال..!
          اُكتبْ..! بعد أن تجعل قلمك في يدك غصنـًا فينانـًا لا عودًا عريانًا يابسًا ، فتلقي من ثمره للمرضى، والعُمي، والعُرج ، دواءً  يمنع العنصريّة أن تدخل من بوّاباتها إلى العالم.. إنّ العنصريّة  في هذا العالم، ثور هائج يطلقه بعض النـّاس من الحظائر في صدورهم، كي يتلف جنـّة الحياة التي أرادها الله على الأرض ..!
         اُكتبْ وأنت تحمل قلمك مصباحًا وضّاءً، يبعث النـّور في كلّ ناحية، ويبدّد الظـّلمة للنـّاس في طريقهم.. إنّ أشدّ الدياميس حلكة في الأرض ليلٌ أعمى يقيم في رؤوس النـّاس وجماجمهم، حيث من هناك تسقط العتمة، ويأتي الخراب لهذا العالم..!   
        اُكتبْ.. وأنت تعلم أنّ للأقلام قيامة للأموات كلّ قرن في ملكوت الفكر والرّوح، تفصل بين القمح والزّوان.. وحيث هناك لا يخلص إلاّ الذين أُعْــُطوا أقلامَهم من فوقُ ، وانحدرت مواهبهم من العلا، فاحترس قبل ذلك اليوم الرّهيب، كيلا  تُلقـَى خزانة كتبك في النـّار الأبديّة، هناك حيث البكاء وصرير الأسنان ..!! من كان له أذنان للسّمع فليسمع..!
                             
                                                                     كفرسميع
   
                                              Yousef.nasser@gmail.com

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق